محمد بن جرير الطبري

58

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الذي وصف المؤمنين به أنهم يؤتونه ذوي القربى ، ومن سمى معهم غير الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها ؛ لأَن ذلك لو كان مالا واحدا لم يكن لتكريره معنى مفهوم . قالوا : فلما كان غير جائز أن يقول تعالى ذكره قولا لا معنى له ، علمنا أن حكم المال الأَول غير الزكاة ، وأن الزكاة التي ذكرها بعد غيره . قالوا : وبعد فقد أبان تأويل أهل التأويل صحة ما قلنا في ذلك . وقال آخرون : بل المال الأَول هو الزكاة ، ولكن الله وصف إيتاء المؤمنين من آتوه ذلك في أول الآية ، فعرف عباده بوصفه ما وصف من أمرهم المواضع التي يجب عليهم أن يضعوا فيها زكواتهم ثم دلهم بقوله بعد ذلك : وَآتَى الزَّكاةَ أن المال الذي آتاه القوم هو الزكاة المفروضة كانت عليهم ، إذ كان أهل سهمانهم الذين أخبر في أول الآية أن القوم آتوهم أموالهم . وأما قوله : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فإنه يعني تعالى ذكره : والذين لا ينقضون عهد الله بعد المعاهدة ، ولكن يوفون به ويتمونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه . كما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله : وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا قال : فمن أعطى عهد الله ثم نقضه فالله ينتقم منه ، ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه وسلم ثم غدر بها فالنبي صلى الله عليه وسلم خصمه يوم القيامة . وقد بينت العهد فيما مضى بما أغنى عن إعادته هاهنا . القول في تأويل قوله تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ قد بينا تأويل الصبر فيما مضى قبل . فمعنى الكلام : والمانعين أنفسهم في البأساء والضراء وحين البأس مما يكرهه الله لهم الحابسيها على ما أمرهم به من طاعته . ثم قال أهل التأويل في معنى البأساء والضراء بما : حدثني به الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال : حدثني أبي ، وحدثني موسى ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قالا جميعا : ثنا أسباط ، عن السدي ، عن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود أنه قال : أما البأساء فالفقر ، وأما الضراء فالسقم حدثنا ابن وكيع قال : ثنا أبي ، وحدثني المثنى قال : ثنا الحماني ، قالا جميعا : ثنا شريك ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله في قوله : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ قال : البأساء الجوع ، والضراء المرض حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن السدي ، عن مرة عن عبد الله ، قال : البأساء : الحاجة ، والضراء : المرض . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كنا نحدث أن البأساء : البؤس والفقر ، وأن الضراء : السقم ، وقد قال النبي أيوب صلى الله عليه وسلم : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ قال : البؤس : الفاقة والفقر ، والضراء في النفس من وجع أو مرض يصيبه في جسده . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، . قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ قال : البأساء : البؤس ، والضراء : الزمانة في الجسد . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا عبيد ، عن الضحاك ، قال : البأساء والضراء : المرض . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ قال : البأساء : البؤس والفقر ، والضراء : السقم والوجع . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا عبيد بن الطفيل ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في هذه الآية : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ أما البأساء : الفقر ، والضراء : المرض . وأما أهل العربية : فإنهم اختلفوا في ذلك ، فقال بعضهم : البأساء والضراء مصدر جاء على فعلاء ليس له أفعل لأَنه اسم ، كما قد جاء أفعل في الأَسماء ليس له فعلاء نحو أحمد ، وقد قالوا في الصفة أفعل ولم يجيء له فعلاء ، فقالوا : أنت من ذلك أوجل ، ولم يقولوا وجلاء . وقال بعضهم : هو اسم للفعل ، فإن البأساء البؤس ، والضراء الضر ، وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث وإن شئت لمذكر كما قال زهير : فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم * كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم يعني فتنتج لكم غلمان شؤم . وقال بعضهم : لو كان ذلك اسما يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث لجاز إجراء أفعل في النكرة ، ولكنه اسم قام مقام المصدر ؛ والدليل على ذلك قولهم : " لئن طلبت نصرتهم لتجدنهم غير أبعد " بغير إجراء ؛ وقال : إنما كان اسما للمصدر لأَنه إذا ذكر علم أنه يراد به المصدر . وقال غيره : لو كان ذلك مصدرا فوقع بتأنيث